أخبار الحسكة


موقع ثقافي و اجتماعي واخباري عن محافظة الحسكة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثدخولالتسجيل
إعلانات

شاطر | 
 

 سليم بركات سائحاً بين المخيلة والواقع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دارا عبدو



المساهمات : 52
تاريخ التسجيل : 03/12/2010

مُساهمةموضوع: سليم بركات سائحاً بين المخيلة والواقع   الجمعة ديسمبر 17, 2010 9:41 am

.
في كتابه الجديد ، الصادر قبل أشهر ، عن دار الزمان بدمشق - وهو ليس رواية ولا ديوان شعر هذه المرة - لا تختلف لغة سليم بركات عما كتبه على مدى عقود ، بغزارة وتفرد ، في الرواية والشعر. السبك ذاته ، والخيال عينه ، توأمين سارحين يداً بيد. (التعجيل في قروض النثر) عنوان يحتوي مجموعة شذرات ومقالات وملاحظات وتعاريف - نصوص ، اختارها بركات بنفسه في غير سياق ، موزعة على 358 صفحة من القطع المتوسط ، ومغطية زمناً يمتد لأكثر من أربعة عقود ، منذ كان شاعراً في "كنيسة المحارب" في أعوام بيروت الحرب المرعبة ، التي جاءها من دمشق ، وفي جيبه حفنة نقود قليلة ، بداية السبعينيات من القرن الماضي ، هارباً من أرض الألم الوعرة ، من "أعضائه المحتلة" في سهول الجزيرة شمال شرق سوريا ، حيث كان طالباً جامعياً في السنة الأولى في قسم اللغة العربية ، وحتى سكناه جزيرة قبرص لاحقاً ، برفقة الصديق الراحل الكبير محمود درويش حيث أشرفا على مجلة الكرمل ، إحدى أفضل الدوريات الثقافية العربية ، بعد ترحيل منظمة التحرير إلى تونس ، ومن بعد مرور أكثر من عشر سنوات هناك تحت شمس الجزيرة القبرصية في قسمها اليوناني ، عقب انتقال درويش للسكن متنقلاً بين رام الله وعمان ، يهاجر
سليم بركات إلى السويد ، شمال الأرض ، التي سكن أخيراً على أطراف عاصمتها (السيدة) ستوكهولم على قول بركات ، ضيفاً مقيماً بمنحة - هدية من نادي القلم السويدي. من شمال الأرض ، في بلد الآسوجيين ، اختار بركات ، وسط عزلة الثلج والخضرة الكثيفة ، وقام بترتيب وتبويب كتابه هذا.

يتبدى من هذا الكتاب مدى عمق وسعة وتنوع تجربة بركات كاتباً ومعلقاً على أكثر من فن من فنون الأدب والثقافة عامة ، قديمها وحديثها. يتحدث عن نجوم أفلام السينما ورسائل الكمبيوتر السريعة القصيرة ، وأخبار القنوات الفضائية ذات اللسان العربي الركيك ، يتحدث ويبدي الرأي بالعقل البصري الحارق والحسية الذهنية المركبة ذاتها التي يتحدث بها عن تجربة مجلة "شعر" مثلاً ، ويعود إلى الوراء ، وراء قرون من الزمان ، بخفة العارف ورشاقة الصياد ، إلى كتب الفقه والبلاغة التراثية ، إلى كلاسيكيات المكتبة العربية الإسلامية المعقدة بالمهارة نفسها التي ينظر من خلالها ، مغرورق العين بالدمع ، إلى رفاقه الثمانمائة الذين جاوروه في مسيرة البحر الوعرة هاربين من مرفأ بيروت حتى بلوغهم صحراء الجزائر ، فتونس ، فجزيرة قبرص لاحقاً ، حيث تسنى له امتلاك بيت عام 1995 فسوّره من ثلاث جهات بمائة وسبع وعشرين شجرة. خيال بركات كخيال الأشجار متفرع ولغته متجذرة ومتينة ، ذات نسغ خفي ونبض ولوع ، حدّ الظن أنها لغة موتى يرفضون البقاء موتى ، وفي كل ذلك ، مكاناً ولغة ، ذاكرة وحنيناً ، واقعاً وحلماً ، يعلي بركات من شأن المخيلة في الكتابة ، حتى حينما يعلق على رواياته وقصائده بنفسه.



يرى بركات في الصفحة 170 من القسم الرابع من كتابه ، موضوع العرض الوجيز هذا ، "التعجيل في قروض النثر" ، أن الشعراء على الأغلب يميلون إلى كتابة الرواية أكثر من ميل الروائيين إلى الشعر:"يحتاج الشاعر أن يكون لصاً ، وبائعاً متجولاً ، وبهلواناً ، وأحمق ، ومرعباً رهيباً أيضاً. وهذه الصفات ، تحديداً ، ليست حاجات ، بل أجزاء من مجموع شخصيته. لذلك لا يستنكف ملفيل ، وبو ، وأستورياس ، وكازانتراكس ، مثلاً ، عن اقتحام الرواية بقدم ، والشعر بقدم. هناك خصائص متداخلة لا تجيز قطيعة قط إلا في بعض "الهلع العربي" من "التوسع" إلا التوسع في الخوف. مع أنني أتلقط بعض النمو في السّيْر لدى الشعراء ، وفي ميولهم إلى الرواية ، فيما لم أتلقط ، للأسف ميلاً من الروائيين إلى الشعر مذ ولدوا من أمّهم - التقريرية.



وفي سياق ما يبدو رداً على من يصف كتابة بركات بـالغرائبية ، يقول: "لستُ أنا من يفضل الحديث عن أجواء غرائبية في كتاباتي. إنها تصنيفات النقد في عبورها الرقيق بين فروقات اللفظ الأجنبي ، وتراكم المعايير. غير أن لفظة الغريب عربياً لها وقعها الذي يغاير المألوف في الصعيد الكبير للمعنى.. ، وقصدي من الغرائبية هو الاشتغال في الجانب الغامض من المصائر ، حيث الكمال الذي يعمي: حيث رهان الحرية على أتمه في سباق المعنى. كما أن المصطلح وتفاسيره لا تعنيني ، في هذا الجانب اللغوي أو ذاك ، لأن حسبي أن أكتب هكذا ، دون تفسير ، في اتجاه نفسي التي تقامر بها الكتابة وأقدارها. كنت أبداً أود لو أنتسب إلى القرن التاسع عشر الذي هو ماضي مستقبلي ، وحنيني. وأظن - على نحو ما - أنني أكتب بوحي من القرن التاسع عشر: بوحي روحي التي هناك ، مشدودة إلى الغامض الذي هو "عقل" الحقيقة وتفاسيرها ، حيث الرهان رهان على كمال الوحشة الأقصى للكينونة. إنني في خجل ، أستعير من الراهن فظاظات لغته لأؤكد انتمائي إلى خسارة الماضي في فراغه الذي يوحد الكون كعقل لا يكل عن ترداد أقدراه في المرآة ، مجرة بعد مجرة أخرى ، حتى الحدود القصوى المفتوحة على حدود قصوى من يأس المخيلة. هل المخيلة انتدابّ قدري لتكون تخوم اللغة تخوم الواقع؟ أي واقع يجرؤ على تسمية "الغرائبي" بمعياره الباهت: أي واقع ينجو من غيبه؟ المخيلة هي القدر نفسه واقعاً ، والحقيقة "الواقعية" هي ثرثرة في علوم القدر.



يبقى للغة سليم بركات ذاك التوهج الغريب والاستطراد المغري حد الإلغاز التركيبي أحياناً ، لدرجة أننا نظن أنه من جيل غير جيله. نقرؤه بشغف ثم سرعان ما نترك الكتاب جانباً ، قريباً من العين ، لأننا سرعان ما سنعود إليه ، لنلتقط شيئاً من ذاك السحر المدهش وتلك اللوعة الآسرة. لمن يحب قراءة كتب صعبة وممتعة بآن واحد ، كتب فيها من التأمل الرصين الدقيق قدر ما فيها من لمعات قطع نثرْ تحفظ آثاراً خفية من التذكر العابر ، صار في وسعهم اقتناء نموذج سخي ، لكن دون أن يأخذهم إيحاءُ العجلة في العنوان إلى فعل عجلةْ في القراءة ، على عكس ما تشي ، ربما ، عبارة العنوان: "التعجيل في قروض النثر".

المصدر جريدة الدستور -
علي جازو - شاعر وناقد سوري

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سليم بركات سائحاً بين المخيلة والواقع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أخبار الحسكة ::  ثقافة -
انتقل الى: